المحكمة العليا في ثوبها القديم |
نظراً لوجود هذه المؤسسة القانونية المهمة في بلادنا ، وقيامها بعدة أدوار في تاريخ الحركة القضائية ، منذ أكثر من نصف قرن، لذلك وقعت الرغبة – في تصميم موقع للمحكمة العليا على الشبكة العنكبوتية يحاول تسجيل مسيرة المحكمة العليا، ويدون تاريخها، وذكر التطورات التي صاحبت إنشاءها وإبراز دورها في خدمة القضاء، وإرساء مبادئ العدالة، وترسيخ المبادئ التي تصون حقوق المواطنين وحريتهم، وضمان ممتلكاتهم، من خلال الأحكام التي تصدرها، لكي تكفل لهم تحقيق الأمن والطمأنينة في حياتهم ، فلا أهم في حياة الشعوب من وجود قضاء عادل يقوم عليه أساس الدولة ونهضتها، ولن يكون لمثل هذا القضاء وجود إلا من خلال رجال أكفاء ، لهم القدرة على ممارسة هذه المهنة النبيلة ، من خلال تمتعهم بالعلم والخبرة اللازمة لكل وظيفة ، والقدرة على ترسيخ العدالة بالتطبيق الصحيح للقانون والحياد . |
لم تنشأ المحكمة العليا في ليبيا عقب استقلال البلاد بتاريخ 24/12/1951م بالرغم من النص عليها في الدستور الذي أقرته الجمعية الوطنية الليبية بتاريخ 8/10/1951 م وإنما بدأت عقب صدر قانون المحكمة العليا الاتحادية بتاريخ 10/11/1953م الذي تم تعديله بالمرسوم الصادر بتاريخ 3/11/1954م ، ومنذ ذلك شرعت في ممارسة اختصاصاتها كمحكمة دستورية، ومحكمة نقض في المسائل المدنية والتجارية والأحوال الشخصية ومحكمة للقضاء الإداري ، ومحكمة خاصة بالطعون الانتخابية ، بالإضافة إلى دور الفتوى والتشريع ، وبالنظر إلى حاجة البلاد آنذاك لجهة قانونية متخصصة وذات خبرة في تفسير القوانين ومراجعتها قبل الصدور،للحكومة الاتحادية وحكومة الولايات ، لذلك تم إسناد هذه المهمة للمحكمة العليا ، فأصبحت تختص بتفسير القانون ، ومراجعة القوانين قبل صدورها أيضا . |
جاء القانون القديم مكونا من اثنين وثلاثين مادة، ومقسما إلى قسمين، تضمن القسم الأول من القانون إنشاء المحكمة العليا الاتحادية لتتولى السلطة القضائية العليا في الدولة ، وتشكل من رئيس وعدد من المستشارين، وبين القانون الشروط الواجب توافرها فيمن يعين رئيسا أو مستشارا بالمحكمة ، مع جواز تعيين غير الليبيين عند عدم وجود من يشغل هذه الوظيفة، كما أجاز القانون تعيين مستشارين مساعدين بشرط الحصول على المؤهل استثناء من شرط الخبرة القضائية، كما تضمن القسم الثاني الاختصاصات المسندة إليها وقوة المبادئ التي تقررها. |
ونظرا للنقص الذي كانت تعانيه البلاد آنذاك من الخبرات القانونية ، واستنادا إلى قانون إنشاء المحكمة العليا ، تم تعيين قاض أمريكي متخصص في النظام الفدرالي وأخر انجليزي كان مستشارا بالهند ، وأربعة قضاة من الشقيقة مصر، وآخــر مـن الأردن ( فلسطين ) ونائب عام من مصر أيضا ، وكان نصيب ليبيا في المحكمة العليا الليبية قاضيين فقط من ذوي الخبرة في الشريعة الإسلامية ، وكان أول رئيس للمحكمة من الشقيقة مصر ، ونظرا لقلة المحامين في ذلك الوقت ، فقد كان مسموحا للمحامين الإيطاليين بالترافع أمام المحاكم ومن بينها المحكمة العليا ، وترتب على ذلك ضرورة ترجمة المرافعة إلى اللغتين العربية والانجليزية حتى يتفهم قضاة المحكمة المشكلة من تلك الجنسيات لغة الدفاع والمرافعة (1) . |
لقد أعطي المشرع الليبي من النشأة الأولى للمحكمة مكانة خاصة للمبادئ التي تقررها فجعلها ملزمة للمحاكم الدنيا وجميع السلطات في ليبيا ، لذلك نص في المادة 28 من قانون المحكمة العليا على أن ( تكون المبادئ القانونية التي تقررها المحكمة العليا في أحكامها ملزمة لجميع المحاكم والسلطات في ليبيا) وبذلك أوجب المشرع على كافة السلطات في ليبيا آنذاك ، بأن تلتزم بالمبادئ التي تقررها المحكمة العليا ، ولم يقصر ذلك على المحاكم فقط ، وفي ذلك تأكيد على أهمية القضاء ، وما يمثله من ضمانات لحرية المواطنين وكفالة حقوقهم . |
وبهذه الميزة يمكن القول: إن المشرع أراد أن يكون للقضاء دور في التشريع وتقرير المبادئ التي يجب على الإدارة والمحاكم احترامها ، وهو ما يعرف في فقه القانون بالقاضي المشرع ، ذلك أن أحكام محكمة النقض ، حيث تطبق على قضية واحدة أفرادها معروفون حين سن القاعدة القانونية عليهم ، إلا أن حكم محكمة النقض هو سن لقاعدة قانونية أوجب المشرع احترامها من المحاكم الدنيا وكافة السلطات . |
غير أن التطبيق القضائي للمحكمة العليا لا يسير دائما في هذا الاتجاه ، فكثيرا ما وقفت المحكمة أمام حالات لا يوجد نص يعالجها وأهابت بالمشرع أن يتخل لسد هذا الفراغ التشريعي . |
ومسلك المشرع الليبي يغاير بعض التشريعات المقارنة التي لا تعطي لأحكام محكمة النقض هذا الإلزام القوي ، حيث يضحى المبدأ التي تضعه المحكمة العليا بمثابة القاعدة القانونية ، لا تجوز مخالفتها من المحاكم الدنيا وكذلك السلطات الإدارية ، فبعض التشريعات المقارنة توجب احترام المبادئ التي تقررها محكمة النقض، ولكنها ليست ملزمة للمحاكم وإن كانت محل احترام، وهذا ما يميز المحكمة العليا الليبية عن غيرها من المحاكم في الدول الأخرى سواء بوصفها محاكم نقض أو إبرام أو تعقيب أو تمييز. |
والجدير بالذكر أن المادة 31 من قانون المحكمة العليا الاتحادية تنص على أن تصدر لائحة داخلية تبين قواعد إجراءات المحكمة العليا ، ومن بينها كيفية تشكيل الدوائر الدستورية والإدارية والمدنية والجنائية ودوائر الأحوال الشخصية وشعبتي الفتوى والتشريع ولا يجوز أن يقل عدد أعضاء الدائرة أو الشعبة عن ثلاثة، وتطبيقا لذلك صدرت اللائحة الداخلية، ونصت على تشكيل الدوائر والشعب ، وعدد المستشارين بكل دائرة أو شعبة . |
إلا أن الجمعية العمومية للمحكمة العليا الاتحادية أصدرت قرارا بتاريخ 1954/12/30 م مقتضاه أن تعمل المحكمة بكامل هيئتها ، باعتبارها وحدة واحدة مكونة من الرئيس والمستشارين جميعاً ، بغير تقسيم إلى دوائر وشعب ، وكان سندها في ذلك ـ فضلا عن التأثر بما جرى عليه العمل في المحكمة العليا الأمريكية ـ أن الدستور القائم آنذاك ينص في المادة 43 على أن السلطة القضائية تتولاها المحكمة العليا والمحاكم الأخرى وأن قانون المحكمة العليا الصادر سنة 1953م ينص على أن تتولى المحكمة العليا السلطة القضائية العليا في الدولة ، بما يعني عدم جواز تخلي بعض قضاة هذه المحكمة عن مسؤولية الحكم في جميع القضايا التي تختص بها إلى بعض قضاتها الذين يجلسون في الدوائر والشعب وأن ما تضمنته اللائحة الداخلية للمحكمة ، بشأن تقسيم المحكمة إلى دوائر وشعب مخالف للدستور والقانون . |
(1) - لقاء صحفي مع الأستاذ محمد خليل القماطي ، أول رئيس ليبي للمحكمة العليا ، أجرته معه مجلة المحامي ، نشر بالعددين 31-32 السنة الثامنة ، 1990 م . |
وعقب صدور قرار مجلس قيادة الثورة في 1/11/1969م بإعادة تشكيل المحكمة العليا ، قررت الجمعية العمومية للمحكمة بتاريخ 10/11/1969م العدول عن الرأي السابق ، وتطبيق اللائحة الداخلية للمحكمة ، وتقسيم أعمال المحكمة إلى دوائر وشعب تأسيسا على أن العمل بنظام الدوائر يحقق تخصص القضاة في مختلف الأقضية، وما يتصل بها من فروع القانون ، ويوفر لها إنجاز العمل،لذلك فإن أغلبية المحاكم العليا في دول العالم تأخذ بنظام الدوائر المتعددة(1). (1) قرار الجمعية العمومية للمحكمة العليا في1/11/1969 مجلة المحكمة العليا ،السنة 6 ، الإعداد 1-2-3 ص29-33 إبريل 1390 هـ 1970 م . |